هل جاء فيديو الاغتصاب ليغطي على خطاب الملك؟

0
356

 هناك جدل حامي الوطيس لم يتوقف منذ ظهور الشريط الفاجعة بين طرحين. الاول يعتبر أن الفيديو نُشر في الوقت المناسب لتفادي التعليق على تجاهل الملك للمعتقلين، أو على الأقل تفادي السخرية مثلما حدث المرة الماضية. ومعارضو هذا الطرح يصنفوه في خندق نظرية المؤامرة ويرون أن هذه ظاهرة تستحق الاهتمام والتأمل.. 

أعتقد أن كلا الطرفين ليس على خطأ. النظام ليس بريئا من هذه «الصدفة»، مثلما لا يجب التقليل من شأن الجريمة ووقعها الجارف على المغاربة بكل فئاتهم.

هناك نظرية أمريكية يدرسها الطلبة في سوسيولوجية الاعلام، قطعت مع نظرية المؤامرة منذ الخميسينات، وتعرف كثيراً باسم نظرية الاولويات Agenda setting theory. مفادها أن وسائل الإعلام ليس بإمكانها أن تحدد لك «كيف تفكر» في موضوع ما، ولكنها تستطيع أن تحدد الموضوع الذي «يجب أن تفكر فيه».

وعلى المستوى العملي فإن التحدي الذي تواجهه هذه النظرية، أو التقنية، هو إيجاد ثغرة داخل الحلقة التقليدية للتحرير الإعلامي ـ رأي عام يصنع من خلال أولويات الإعلام، التي تحددها، بشكل أساسي، اهتمامات الرأي العام ـ بهدف التحكم في الرأي العام من خلال الأولويات التي تعطى للاخبار.

بعدها، وفي نفس السياق، ظهرت ملاحظات أخرى، على غرار «تشومسكي» والقواعد العشر للتحكم في الشعوب، و«بورديو» حول التلفزيون، ثم أطروحة «بوستمان» الذي انتبه إلى أن الأهمية التي تكتسيها الأخبار لدى الجمهور مرتبطة بترتيبها في العرض. أي أن وسائل الإعلام تبدأ بما سيصبح الأهم (صناعة الرأي العام)، ثم الأقل أهمية، حتى نصل إلى المسكوت عنه، الذي صنفته السوسيولوجية الألمانية «إليزابيت نيومان» في «ما يجب أن لا يُفكر فيه» وأطلقت عليه اسم La petite spirale.

والنتيجة، أو الهدف، أن النقاشات الاجتماعية تنصب حول المواضيع الأولى. أما الذين يخوضون في «ما يجب أن لا يُفكر فيه»، فيُنظر إليهم كمغردين خارج السرب. 

لهذه النظرية أوجه قوة واوجه القصور ككل النظريات. وتعتبر الانتخابات أكبر «تمرين تطبيقي» لها، ولا غرابة أن أصلها هي انتخابات الرئاسة الأمريكية لسنة 1968، حيث لا حظ الباحثان Max McCombs وDonald Shaw ان هناك علاقة بين ما يبثه الاعلام الامريكي واختيارات الناخبين في «كارولينا الشمالية» و«شابل هيل».

ومن أوجه قصورها تلك القضايا التي تثير حساسية الرأي العام وتفرض نفسها في طليعة الأولويات مثل الهجمات الإرهابية. هذه أولوية لا تستطيع زعزعتها، الا ان التواصل السياسي ابتكر تقنية مفادها أن هذه المناسبات فرص سانحة لإقبار وتمرير القرارات الصعبة.. مثلما حدث عندما قامت «جو مور»، الناطقة باسم وزارة النقل البريطاني بتعميم إيميل على الموظفين في مصلحتها، ساعتين بعد فاجعة سبتمبر 2001 قالت فيه:

«نظراً لانشغال العالم بمن فيه الصحفيون كلهم بما جرى فإن هذا لا بد أن «يكون الآن يوماً جيداً جداً للإعلان عن أى شىء نريد أن ندفنه».

الامثلة كثيرة عن هذا الدفن، أو «قتل الخبر» كما يسمى مجازا في الاعلام الفرنسي. سنة 1990، عندما اقترح رئيس البرلمان الفرنسي «فابيوس»، والنائب الشيوعي «جيسو» مشروع قانون يجرم التشكيك في «الهولوكوست»، وهو قانون حساس جدا إذ يتعارض مع مبادئ حرية التعبير وحقوق الانسان، اختارا شهر يوليوز للتصويت عليه، لأن جل النواب في عطلة..

وإذا استثنينا هذه الأمثلة القصوى، فإن وسائل الإعلام تستطيع صنع الأولويات، وتحديد «ما يجب أن يفكر فيه»، انطلاقا من دراسة معمقة للرأي العام (شابرو ودمبسي 1987) تحدد القضايا التي تؤثر فيه، ومدى تأثيرها عليه ومدى حساسيته. 

وهنا، في الحالة المغربية، على غرار الأنظمة السلطوية، تدخل الميكانزمات الثلاث للبروباغندا والإشاعة على الخط: الإختزال، وتضخيم المختزل، وربط التضخيم بحساسية المتلقي(Réduction, accentuation, implication).

هكذا تستطيع البروباغندا أن تزعزع الأولويات، ومن هنا نستطيع أن نفهم مثلا كيف أن إشاعة منشورة على صحيفة مقربة من السلطة حول اختلاس 17 مليار «قتلت» خبر القمع الذي ووجهت به مسيرة 20 يوليوز وغيبوبة الشهيد العتابي على أهميته..

أما عن الفيديو الفظيع، فمن المبالغ عن البروباغندا وإنما هي قضية حساسة المفرطة تجاه الاغتصاب.. ومن السذاجة أيضا أن نقول إن النظام بريء من «قتله» لخطاب الملك، الذي عادة ما يكون مادة دسمة للسخرية والنقد خصوصا في هذه الظروف.

بقلم:سعيد السالمي.

اترك رداََ