القوة المشروعة ومشروعية القوة في تعاطي المخزن مع حراك الريف وهل كان الحسن الثاني مخطئ حينما أباح معارضة خطباء المسجد؟

0
1034

“الدولة المفتقدة للقدرة على تلبية متطلبات مواطنيها، هي دولة فاقدة للشرعية” ويمكن استحضار أسمــاء العشرات من المفكرين والمنظرين من مختلف الحقبات التاريخية الذين أثبتو أن الدولة وشرعيتهــا، تُستمد فعلا من تلبية متطلبات شعبهـا وخلاف ذالك فهي “فاقدة لشرعية”، وسوف تحاول أن تستخدم العنف الذي تحتكره باسم القانون من أجل اسكات أي حركة اجتماعية لكونهــا لا تملك البديـــل عن المقاربة الامنية كمــا يحصــل في الريف المغربي حاليــاً، والذي ينظُر اليه السياسيين والمراقبين أنه(الحراك) عرى عورة الدولة المغربية وأسقط ورقة التوت عنهـــا وسوف نورد العديد من الأمثلة التي كانت بمثابة سلوكيات أثبتت فشل هذه الدولة في توظيف قوته الأخلاقية بدل القوة القمعية من أجل مقاربة حراك الريف.

حراك الريف انطلق قبل سبعة أشهر، كمــا هو معلوم بعد حادثة وفاة بائع السمك محسن فكري،طحنـــا في شاحنة لنفايات،وتبعتهــا احتجاجات عارمة على مستوى المملكة،ارتأت الدولة وهي تعيش حالة لبوكاج ساعتهــــا _اضطرت_ الى الانحنــــاء، والاحجام عن قمع هذه الانتفاضة الآنية والتي أعقب وفاة “محسن فكري” شهيد لقمة العيش والحكرة كما سماهــا عموم المغاربة، والتي فسرتهــا دواليب السلطة (المظاهرات)أنهــا رد فعــل طبيعي سوف يختفي ويندمل بمرور الوقت، غير أن “حسابات الحقــل لم تطابق حصاد البيدر” كمــا يقول المثل المشرقي،بل اتسع الفَتْقُ على الراتق، واستمرت الاحتجاجات والتي تحولت الى حراك، أصبح يجدب، المئات الآلاف من الناقمين والساخطين تجمعهم الرغبة في حياة كريمة والتي تنطلق من توفير العمل و التطبيب و الدراسة.

المخزن أو السلطة أو النظام ..سميهــا كما شئت، دفعت ثمن افراغهـــا لمؤسسات الوساطة (أحزاب،نقابات،جمعيات..)من قوتهــا وشرعيتهــا، ووجدت أنهــا غير قادرة على توظيف هذه الورقة لكونهـا محروقة عند المتظاهرين ولعــل اطلاق اسم الدكاكين السياسية والجمعيات الارتزاقية من طرف قادة الحراك على هذه المؤسسات خير دليل على تعاطي’قادة الحراك)بمنطق “سعيكم مشكور وذنبكم مغفور” المهم لا تقربو حراكنــا، مع الوزراء الذين نزلوا للحسيمة، ممــا يعني أن الوساطة مرفوضة والمؤسسة الملكية وجدت نفسهــا في مواجهة مباشرة مع الحراك، ومن أسمى تجليات الغضب الشعبي من هذه المؤسسة هو رفعهم لشعار عاش الشعب وجلالة الشعب، وهو شعار وظفته بطانة الملك على الأرجح من أجــل تأويل ذالك الى تهم الانفصال التي ضلت تراوح مكانهــا بين بلاغ وآخر.

إذن، أول خسارة للمخزن هي خسارة هذه المؤسسات(الأحزاب، النقابات، الجمعيات، المجتمع المدني..)بسبب سياسته التَحكُمية في المشهد والتي كانت في أسمى تجلياتهــا مع حكومة العثماني….. ثاني خسارة هي عدم قدرتها على التفكير في الحراك من خارج المقاربة الأمنية، وهنا نستحضر التهم الجاهزة التي وجهت لأهلنا في الريف، والتي سرعان ما تم التراجع عنها بعد مسيرة الخميس السلمية، بشعارات الوحدة والانتماء للمغرب لنفي تهم الانفصال، وهي التهم التي سرعان ما عادت إليها الدولة، وهو ما يتجلى في صك اتهام النيابة العامة لنشطاء الحراك، الذي يترجم واقعياً مزاجية الدولة، وهذا يعني في القاموس السوسيولوجي السياسي، شخصنة الدولة، وهذه هي الخسارة الثالثة.

إننا، وللأسف، أمام مفترق طرق لا يخلو من خطورة؛ لأننا بتنا أمام مؤسسات دستورية وسياسية بدون مؤسساتية، ولأن طابع الانفعالية ورد الفعل هو طابع شخصي. وحين تُشَخصَن الدولة، فاعلم أننا قاب قوسين أو أدنى من الكارثة، وهذا ما يقودنا إليه تعامل المخزن مع الحراك انطلاقا من حملة الاعتقالات وحملات المداهمة للمنازل، وفي شهر له خصوصية روحية كبيرة.

إن اعتبار ما حدث في المسجد يوم الجمعة السبب المباشر في تدخل المخزن أمنيا لفك وتفكيك الحراك، ليس في الحقيقة سوى نفاد صبره في إضعاف عزيمة الريفيين على مواصلة الاحتجاج؛ لأن الدولة كانت تراهن على عامل الزمن، لكنها كانت على خطأ؛ لأنها ببساطة لا تعرف جيدا بِنيات المُتخيل والتفكير عند سكان الريف، مثلما هو الحال في مناطق الهامش المغربي السحيق، الذي حتما سينتفض بشكل غير مسبوق فيما بعد؛ لأن المغرب لم ولن يكون الاستثناء كما يروج لذلك الإعلام الذي تغاضى عن خطأ الدولة السياسي الفظيع في خطبة الجمعة التي جعلت الخطيب الذي من واجبه الحياد وعدم ممارسة السياسة أو الانحياز والتمييز بين المسلمين، مهما اختلفت معتقداتهم وانتماءاتهم السياسية والاجتماعية ومهما اختلفت ألوانهم وأعراقهم…الخ حسب المادة السابعة من القانون المنظم للقيمين الدينين، وبدل التنبيه إلى خطورة تحول المغرب إلى دولة دينية، ما دامت المساجد أصبحت أحد أهم آليات المخزن لتمرير سياسته وعرقلة تطور مفهوم الدولة الحديث، يصب الزيت على النار بتوجيه تهم ثقيلة لنشطاء الحراك،وفي هذا الموضوع بالذات،سوف نحيــــل القارئ الكريم على مرجع لا أحد يجادل في علمه وتبصره و سداد رأيه حينمــا يتعلق الأمر بهذا النوع من النوازل، والمقصود هنــا المرحوم الحسن الثاني طيب الله ثراه حيت أجــاز قبل 30 سنة لناس حق معارضة الخطبــاء ومعتلي المنابر بل حتى الخروج عليهم وإعادة صلاتهم، على اعتبار أن الصلاة وراء أولئك الأئمة غير جائزة.جاء ذلك في خطاب وجهه الملك الراحل إلى الملتقى العالمي الأول لخطباء الجمعة بالمغرب عندما خاطبهم أثناء استقباله لهم في 27 مارس 1987.

ومما جاء في  ذلك الخطاب التي تبين وظيفة خطيب الجمعة من منظور الملك الراحل كأمير المؤمنين: “فيجب عليه أن يكون نزيها مترفعا كل الترفع عن السياسة المحترفة، وذلك لأن الخطيب عندما يكون فوق المنبر لا معارض له (من لغا فلا جمعة له) … يجب على الخطيب أن يكون في خطبته غير متحيز لجانب دون آخر وغير مثير لمشكلة حزبية أو مشكلة طائفية أو لمشكلة اختيار جماعة قروية اختيارا جبائيا مثلا دون آخر، وإلا فاللعبة لن تبقى جارية، والقواعد تكون قد انتهكت، ويصير الخطيب ديكتاتوريا لا معارضة له”.

وقاله أيضا: “فقد وقع مرارا في مساجدنا قديما وحديثا وأخيرا في مساجد الدول الإسلامية أن بعض الناس عندما سمعوا من بعض الخطباء كلاما أغضبهم أو لم يشف غليلهم أو ظهر لهم كأنه متحيز منقول عن صحيفة أو مذهبية أو إيديولوجية خرجوا وهم يقولون اللهم إن هذا منكر، ومنهم من أعاد صلاته”انتهى اقتباس الراحل الحسن الثاني.

إن المساجد بيوت الله وليست بيوت السياسة والسلطة، وخطيب الجمعة بالضرورة يحب أن لا يمارس السياسة أو يصرف أي خطاب إيديولوجي نيابة عن أي طرف كيفما كان. حان الوقت لفصل الدين عن الدولة والسياسة…أما المجتمع فهو حر في تدينه وعلى الدولة أن تحميه في تدينه مهما كانت المعتقدات، لكن خارج مدارات السياسة.

من هنا يبدأ النضج الحقيقي… أما تسييس الدين فهو أحد ظِلال توظيف الدين في السلطة والحكم، وهو شيء مرفوض من قبل الدولة ومرفوض أيضا عند نشطاء الحراك وعلى رأسهم ناصر الزفزافي الذي نبهنا منذ البداية إلى معجمه الديني الإسلاموي في تناول قضايا اجتماعية وسياسية تهم الحراك.

لكن خطأ الدولة أفظع؛ لأنها بنيات مادية ومؤسسات. أما خطأ ناصر بالرغم من جسامته فيبقى دون مستوى خطأ الدولة؛ لأنه مجرد شخص، إذن إن كان ضروريا من المحاكمة فيجب محاكمة الدولة ممثلة في وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومحاكمة خطيب الجمعة، قبل محاكمة ناصر الزفزافي ومن معه من النشطاء الذين للأسف لم تنتبه الدولة إلى أن معظمهم شباب، ونسبة مهمة منهم من القاصرين.

فهل قوة الدولة أن تقمع وتسجن أبناءها وهم في عمر الزهور؟ لا شك أنها دولة ستكون استبدادية إن فكرت كذلك.وسوف نكون بصدد جدلية القوة المشروعة والتي يقرهــا القانون كحق حصري لدولة والتي تمارسها الدول الاستبداية دون حسيب أو رقيب، وبين مشروعية القوة والتي يتخده الكثير من المضطهدين والمقموعين مبدأ لتبير الرد  على استخدام الدولة لقوتهــا المشروعة،وهو ما يجر الدولة في الغالب الى منزلقات خطيرة تنتهي بحروب أهلية وطائفية قد تمتد لعقود..

إن معرفتي الدقيقة بالبنيات الانثربولوجية للمتخيل عند سكان الريف تجعلني أجزم بأن المخزن يلعب بالنار… بالرغم من أن المسألة بسيطة. إرسال لجنة حوار من الرباط وإطلاق سراح المعتقلين وبرمجة جدولة زمنية لإنجاز المشاريع الاجتماعية والاقتصادية المتفق عليها، واعتذار الحكومة عن تخوين الريف. وبهذا ينتهي الحراك.

المتابع للوضع في المغرب يُحس ويشعر أن جهات من حول الملك تريد توريط الملك، وتسعى الى تكرار سيناريو وقع مع محمد الخامس والحسن التاني،بل أن ناصر الزفزافي أشار مباشرة الى أسمــاء بعينهـا تدور في فلك الملك تريد بالفعــل تحويل الريف الى بركة من الدمــاء، وقد يكون لهــا أهداف متوسطة وبعيدة المدى من وراء ذالك، ومن يعرف قضية الصحراء وكيف يتم توظيفهــا من أجل ابتزاز الدولة من قِبل بعض اللوبيات والشخصيات التي لا مصلحة لهــا في دَمَقْرطة البلاد، قد يفهم لماذا تسعى بعض الجهات الى بلقنة (البلقان)المغرب،وأفغنته(أفغانستان) بعد أن صَوْمَلة(الصومال) شعبه لعُقود من الزمن.

وعلى صعيد متصل، ما دمنا نتكلم عن الريف كجزء لا يتجزأ من البلاد، يرى العقلاء أنه يتوجب  إعداد مخطط وطني لدمقرطة التنمية المجالية بالدعوة إلى أقطاب اقتصادية جديدة، وإطلاق حوار وطني حول الفساد والريع والاستبداد في سياق الاتفاق المدني المجتمعي مؤسساتيا حول آليات تحقيق انتقال ديموقراطي نحو دولة الحق والقانون، مع ضرورة الالتزام بالدستور، يعني ببساطة حان الوقت لكي يفهم المخزن أن المرحلة التي يمر منها المغرب في ظل خطورة التحديات الإقليمية والجهوية والدولية تقتضي أن يفسح المجال لاشتغال مؤسسات الدولة.

إدن على المخزن أن ينصت لصوت العلوم الاجتماعية، ولصوت الشارع ونبض العمق السحيق، ولو كان يعتمد المقاربة المعرفية (اجتماعية، قانونية، دستورية، سياسية…)، لما وصلنا إلى ما نحن عليه. ومن هنا فرد فعل الريف على مزيد من القمع والتهميش والتضييق سيكون رد فعل غير محمود العواقب، ويكفي أن ريف الشتات الذي يتبوأ مناصب حساسة في المشهد السياسي والاقتصادي في أوروبا والغرب عموما، قادر على أن يؤثر سلبا على الدولة والحكومة في وقت نحن في أمس الحاجة إلى كل أبناء الوطن من أجل الترافع على وحدتنا الترابية.

لا أعتقد أن حكيما سيعمل على إضعاف موقف المغرب في المحافل الدولية في قضية من أهم قضايانا التاريخية فقط لتلبية شعور مزعوم بالتفوق وشرعية العنف… إن من يعتقد بأن تلبية مطالب الريف العادلة إضعاف للدولة واهم وخاطئ؛ لأن قوة الدولة الديمقراطية هي من قدرتها على تلبية مطالب وحاجات المواطنين في العيش الكريم.

وأعتقد أن المغرب ومستقبله في حاجة ماسة إلى تدخل ملكي عاجل من أجل وضع حد لما يقع. وحراك الريف، كما قلت في مناسبات سابقة، هو فرصة تاريخية أمام الملك محمد السادس لإحداث قطيعة نهائية مع الفساد والريع، وتحقيق انتقال ديمقراطي ثان نحو دولة المؤسسات في سياق الوحدة الوطنية.

الصحفي:Aadil Angoudface jadiid

اترك رداََ