هل سوف تكون محاسبة السياسيين إن حصلت على مبدأ”أني أَرَى في المَنَام أني أذبحك؟

0
569

                                                                                                                      16 سنة من الخطابات الملكية اتسمت بالهدوء و المساكنة واعتماد سياسة التعايش مع الأعطــاب التي تعتري الإدرة ومن وراءهــا الكيانات الحزبية ومختلف المؤسسات الدستورية، غير أن حراك الريف و ما تلاه من تفعيل غير مسبوق للمقاربة الأمنية جعــلت الملكية في عهد محمد السادس تعيد حساباتهــا وترتيب أوراقهــا على اعتبار أنها (الملكية) تعتمد على مبدأ نفسي وشعبي ومن بعدي الطوفان ،حينما يتعلق الأمر بكرة تلج قد تتدحرج لتهدد استقرار الوطن ونظام الحكم فيهــا على اعتبار أن لا أحد يضمن كيف ستتطور الأمور بعد أن تقدح الشرارة الأولى كمــاحصل في الريف و حراكه.

الملاحض للخطابات الملكية الأخيرة ونعني هنــا عيد العرش و افتتاح البرلمان يرى بوضوح النبرة النقدية وجرعة التقريع العالية التي طالت مختلف مفاصل الدولة وحتى نمودجهــا الاقتصادي و السياسي المتآكــل و الذي أصبح لا يساير الدينامية التي يعرفهــا المجتمع في العقدين الأخيرين. فخطاب العرش كان ناري بكل المقايسس ،غير أنه لم يأتي بحلول ينتظرهــا الشعب من رئيس الدولة وفق منطوق الدستور،غير أن الأمر يبدو أنه كان مقصودا ومتروكــا للكلمة التي ألقيت في افتتاح الدورة التشريعية ،طبقا للفصل 65 من الدستور، وجاء الخطاب بإجماع المراقبين ليرسم خارطة طريق ويقدم رأي وتصورات ملك البلاد  لمغرب الغد.غير أن الافت للانتباه أن جلالته لم يعد يكتفي بربط تطبيق هذه الخارطة بتغير عَقليات المسؤولين في الدولة، كما جاء في خطاب العرش ،بل تعداه الى الترحيب بالزلزال السياسي، كإشارة للهدم من أجــل اعادة البنــاء من جديد لإدراكه الشديد وبعد طول تمحيص و تفحيص أن الركائز والدعائم الأساسية المطلوبة لتنزيل خارطة طريقه ،فاسدة (الدعائم)ومعطوبة  سواء كانت أفراد أو كيانات ،فالأفراد يتخبطون في الفَرْدانية والشخصانية ،أما الكينات فكــل يُغْني على ليلاه وقد يُؤدي خلاف بين حزبين وتضارب مصالحهم الى تعطيـل مشاريع قد يستفيد منهــا الملايين من المواطنين كما حصل في مشروع الحسيمة منارة المتوسط…

حراك الريف ورغم عدم اقرار الدولة بذالك بشكل مباشر ساعد المؤسسة الملكية على اعادة اجراء تقييم شامل ومن الأكيد أنه خرج بخلاصات مهمة لن يكون أقلهـــا أن السلم الاجتماعي و التعايش بين مكونات المجتمع المغربي في اطار المواطنة الحقة هي مجرد كذبة كبيرة بعد أن خرجت ميليشات بالعصي و السيوف الى الشوارع لتمنع مسيرات يخرج فيهــا اخوانهم في الوطن ليطالبو بمستشفى ومدرسة وعيش كريم. وهذه انزلاقات خطيرة لم يكن يتوقع النظام الحاكم أن رجالاته في الدولة سوف يلجؤن لها عند أول اختبار ،في استنساخ واضح  لأساليب بشار و السيسي من أجل قمع كل صوت ثأر على الفساد. أما الدرس الثاني فقد فهمت المؤسسة الملكية أن حراك الريف كان “تيرموميتر” لقياس مدى احتقان الشعب و قَرفِه من الساسة والمسؤولين ،من مْقَدم الحي الى رؤساء الحكومات المتعاقبة ،بالنظر الى حجم الفساد التي وصلت إليه مفاصل الدولة و مؤسساتها ولم يكن غريبــا  أن يشير الملك الى بعضهــا بالإسم (المجالس الجهوية للاستثمار…)، غير أن الغريب والعجيب بعد كل ذالك ،ونحن ننتظر تقرير جطو بعد طلبه مهلة أسبوع أخرى من الملك والتي انتهت أول أمس الإثنين ليمده بزبدة التحقيقات في المشاريع التي عطّلهــا الساسة و المسؤولين والوزراء. نجد أن كــل “صَنْطيحة” منهم وبدون استثنــاء يخرج ليصفق ويطبل و يشيد بتقريع الملك و انتقادته ،و كأن الأمر يعني وزراء أو مسؤولين في كوكب آخر،فلم نجد احدى هذه الأحزاب تخرج لتعترف بمواطن الخلل  وتَعِد ْبمراجعة الذات واخراج السيئ من بينهم. بل على العكس فبعد خطاب العرش وقع انتخاب أمين عام لحزب الاستقلال على وقع الصحون الطائرة ،وانزال باراشوتي لشخصية قيل أنهــا تحضى برضا المخزن ،أما البعض الآخر فيتهرب من عقد جمعهم العام ويَتَحَيّن كهنة المعبد في كل حزب الفرصة من أجــل أن يمرر تقريره الأدبي و المالي وينتخب قادته في ظروف يكون فيهــا الجو مشحون على اعتبار أن الباكتيريـــا لا تتكاثر الا في المياه الآسنة…نعم كل مسؤول و كل زعيم أصبح يرى في خطابات جلالته أُبَر بنج لشْعب على مبدأ “استنى و لا تتمنى..”فكأن جهابدة السياسة وديناصوراته و رجالات المؤسسات العمومية مُدْركون أن لا حساب و لا محاسبة و الخطابات التقريعية اقْتَضَتْهــا الظرفية السياسية(حراك الريف وتبعاته) و حتى إن وقع الحساب سوف يكون على المستوى الضيق جدا ،وبتفاهمات محددة سلفا على مبدأ النبي ابراهيم وابنه اسماعيل “فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ”
فالسيد عليوة لازال حي يرزق و خرج من السجن لحضور جنازة أمه ولم يعد ،وناهبي المالي العام عفى عنهم بنكران و عَمّا أسلفوه من جرائم مالية في حق الشعب   تحت يافطة مصلحة الوطن… فالزلزال و الإصلاح حتى وإن ولد سوف يولد ميتـــا على اعتبار أن مجموعة من الظروف الموضوعية لم تتوفر، فالإصلاح يتطلب منطومة قضائية شفافة ونزيهة لا تخشى في الحق لومة لائم ،و تنزيل الدستور وخصوصــا المادة الأولى منه و التي تربط المسؤولية بالمحاسبة لا زالت مجمدة ويقول قائل “لو كانت غادي تشتي لو كان غيمت” فلا زال الحساب يقتصر على دركي وشرطي و موظف بجماعة وفي أحسن الأحول مدير مؤسسة لا ظهر له و لاسند و حين يُكْشف عن مصير العشرات من التحقيقات التي فتحت في  ملفات مختلفة قد يعي هذا المسؤول و ذاك أن الدولة جادة في مراميهــا و وَعِيدهــا أمــا غير ذالك فخطابات جلالته هي تَوْجِيه و زَمْجرة مع وقف التنفيذ يقول مراقبون.

بقلم:عادل أنكود taboumedia1@gmail.com

 

اترك رداََ