دراسة: صِنَاعَة النخب في المغرب.. شِرَاء الولاءات ومنح الامتيازات ونشر ثقافة الريع .

0
689

                                                                                                                                                                                                                                                                       يرى الباحث المغربي مروان مكوار، أن منطق صناعة النخب السياسية والمالية والاقتصادية ظلت سمة دائمة للسياسة المغربية منذ عهد الملك  محمد الخامس واستمرت في عهد الملك  الحسن الثاني، وهي نفسها في عهد الملك محمد السادس. ويعتقد مكوار في البحث الذي قام موقع الزميلة “لكم” بترجمته أن صناعة النخب السياسية والاقتصادية في المغرب تعتمد بشكل كبير شراء الولاءات ومنح الامتيازات وسياسة الريع الاقتصادي.

ويخلص الباحث في بحثه الذي نشر على موقع “جيكا” التابع لمعهد GIGA الألماني للدراسات العالمية والمجالية، وهو معهد أبحاث مستقل مقره هامبورغ وعضو في جمعية Leibniz، أن القصر الملكي في المغرب تمكن من إنشاء علاقة تبعية له من طرف  معظم النخب السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد التي تتسابق نحو الاستفادة من الامتيازات المختلفة التي يمنحها القرب منه. وفيما يلي ترجمة الجزء الأول من هذا البحث: 

منذ وصوله إلى السلطة عام 1999 اختار  الملك المغربي محمد السادس  تعزيز و ترسيخ استراتيجية  والده الحسن الثاني  في مجال صنع النخب السياسية و تدبير تناوبها على المناصب . ومع ذلك،و بعد عقدين من الافتراس الاقتصادي و توزيع الثروات بين المقربين وفي ظل غياب الديموقراطية الحقيقية، يبدو أن  استراتيجية الملك لتوطيد سلطته بدأت تنهار و تضعف.

• لقد تزامن حكم محمد السادس مع اعتماد الإصلاحات النيو ليبرالية على نطاق واسع، مما  خلق فرصاً جديدة لصناعة النخب المالية والاقتصادية وعزز  التحالف بين  النظام الملكي والنخب الاقتصادية والسياسية المحلية. ومع ذلك، فإن هذا التحول الليبرالي الجديد كانت له كلفة كبيرة بالنسبة للفئات الاجتماعية ذات الدخل المتواضع.  

• تميزت السنوات العشرون الماضية  بتزايد خضوع  النخب المحلية للسلطة الملكية  وإضعاف كل القنوات الرسمية للمشاركة السياسية. لقد أفلح الملك في الاستفادة من نجاح بعض السياسات وفي الوقت نفسه فعندما تفشل سياسات أخرى فهو لا يتردد في إلقاء اللوم على  الإدارة أو على  المنتخبين والنتيجة أنه أفرغ المجال السياسي من معناه وأفْقَد الحياة السياسية من طابعها المؤسساتي.

• في نفس الفترة نلاحظ تفشي الشعور بعدم المساواة وثقافة الازدراء تجاه “الخاسرين”الذين لا يعرفون كيف يستفيدون من الوضعية السياسية والاقتصادية ومن فرص الخوصصة وهذا الشعور العام كانت له تداعيات سلبية مباشرة على  الأمن الأوروبي (ازدهار شبكات  المخدرات والاتجار في البشر  والعمليات الإرهابية على الصعيد الدولي…)

الآثار السياسية

 إن مغربا مستقرا  ومزدهرا ضرورة حيوية للأمن في أوروبا. ومع ذلك، فلا يمكن تصور أو نجاح التنمية المستدامة و النمو الاقتصادي في ظل مناخ غير  ديمقراطي وفي غياب سيادة الحق والقانون  واحترام  حقوق الإنسان مع تطوير قنوات المشاركة الديمقراطية التي يمكن من خلالها معالجة التظلمات الشعبية والإنصات لمطالبها. 

صناعة النخب عبر طريق  النيو ليبرالية 

 كما هو الحال مع سائر الأنظمة الاستبدادية، فقد أدرك القصر الملكي في المغرب منذ وقت طويل أن النخب المعارِضة  أكثر خطورة على مستقبله من المعارضة الجماهيرية . لقد استعمل  الملوك  الثلاثة الذين حكموا البلاد منذ  استقلالها عام 1956 أداتيْن رئيسيتيْن للحيلولة دون انتشار التعبئة الجماهيرية: أولها تقديم بعض  التنازلات من حين لآخر  ثم الثانية هي صناعة النخب  ومنحها بعض الامتيازات وهي غالبا ما تكون امتيازات  رمزية ولا تضعف أو تنتقص من صلاحيات الملك الواسعة. لقد تمكن القصر الملكي من إنشاء علاقة تبعية له من طرف  معظم النخب السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد التي تتسابق نحو الاستفادة من تلك الامتيازات المختلفة.

وإذا كان منطق صناعة النخب السياسية والمالية و الاقتصادية سمة دائمة للسياسة المغربية منذ عهد الملك  محمد الخامس (الذي كان يكافئ أفراد النخب القروية الموالية لحكمه  بتعيينهم في دواليب الدولة مقابل دعمهم له في  صراعه مع الحركة الوطنية ) ثم الملك  الحسن الثاني ( الذي استخدم نفس الاستراتيجية لمكافأة الموالين له من الأحزاب اليسارية الذين أيدوا سعيه لتهميش الحركات الإسلامية)، فإن الملك الحالي محمد السادس يستفيد حاليا من سياق اقتصادي دولي يسمح له بتوسيع نطاق استراتيجية النظام الملكي في مجال صناعة النخب السياسية والاقتصادية بشكل غير مسبوق وخصوصا عبر اعتماد سياسة الريع الاقتصادي.

لقد نهج كل من الحسن الثاني ومحمد الخامس سياسة الريع مثل منح الامتيازات في مجال  النقل والصيد البحري و استغلال المعادن ثم جاء محمد السادس فاعتمد منذ عام 1999 إصلاحات نيوليبرالية على نطاق واسع خلقت فرصاً جديدة للاغتناء المالي وساهمت في تعزيز التحالف بين الملكية و النخب الاقتصادية والسياسية المحلية منها الخوصصة و تحرير الاقتصاد وتحرير التجارة وتقليص  القيود الإدارية، وما يصاحب ذلك من تراجع الدور الاقتصادي للدولة والتخلي عن مسؤولياتها   في مجال الخدمات للسكان. ورغم أن الملك كان هو المستفيد الأول مع حلفائه من كل الإصلاحات التي تم اعتمادها فإن النخب التي تساند الملكية بشكل تلقائي و العائلات الثرية قد استفادت أيضا من كل الإجراءات التي اتخذتها السلطات منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي وخلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين  بما في ذلك بعض الأوساط المعارضة للنظام الملكي لأن جل النخب تربطها علاقة “رابح -رابح” مع القصر الملكي وتدرك أن القرب من القصر هو مفتاح النجاح المالي والاقتصادي. ولو أن منها من يشكو من حين لآخر من منافسة الملك له في بعض المجالات التجارية  مثل قطاع الأبناك أو الطاقات المتجددة،  والخلاصة هي أن القصر ليس هو الذي يختار النخب بل إن النخب هي التي تتسابق لتظفر بالعطف الملكي وهو ما تؤكده الحوارات التي أجريناها مع بعض الباحثين الجامعيين و الفاعلين في مجال الشفافية مثل فؤاد عبد المومني رئيس جمعية ترانبارنسي المغرب.

 حسب  الصحفي المغربي وائل غسان،:”الآلية الرئيسية التي يستعملها النظام لمنح الامتيازات والصفقات المربِحة  تمر عبر إطلاق عدد كبير من  المشاريع  الكبرى ذات الكلفة المرتفعة  مثل مشاريع الكهربة في المجال القروي ومشاريع الإنعاش العقاري و صناعة السيارات،  وكلها مشاريع تستفيد من دعم الدولة  وتتحول إلى فرص للربح الوفير يستفيد منها القصر الملكي  وحلفاءه . في عهد الملك  محمد السادس أصبح المجال العقاري ومشاريع إعادة التهيئة المجالية في المدن الكبرى ( الدار البيضاء والرباط وطنجة) من بين  الوسائل  الرئيسية للاغتناء السريع  إضافة إلى خوصصة بعض الشركات التي كانت تمتلكها الدولة من قبل. في سنة 2008 تجاوزت نسبة الشركات الكبرى  التي يمتلكها القطاع الخاص رقم 90 في المائة من مجموع الشركات.

هناك من جهة أخرى ظاهرة التواطؤ بين البيروقراطية الإدارية و القطاع الخاص من أجل الاستفادة من الموارد المالية التي تسخرها الدولة من أجل تشجيع ما يسمى الأبطال الوطنيين في المجالات الاقتصادية وهذه واجهة من واجهات تقاطع المصالح بين القصر وكبار الفاعلين الماليين والاقتصاديين في البلاد  الذين يحصلون على صفقات ضخمة دون حسيب ولا رقيب ومن بين تلك الأوراش الكبرى مخطط المغرب الأخضر في المجال الفلاحي وهي عادة مخططات أو أوراش لا تسمح للمواطن العادي من الاستفادة من تخفيض في تكلفة الخدمات بل عادة ما يجد نفسه يؤدي كلفة أكثر من ذي قبل . وهذه النخب لا يمكنها الاستمرار في ربح المال لولا الحماية التي يوفرها لها ذلك القرب من السلطة الحاكمة أي من القصر الملكي  على سبيل المثال فإن مجال توزيع المحروقات خضع لإجراءات إصلاحية انسحبت بموجبها الدولة من دور المراقبة وتركت الأسعار في يد الفاعلين الخمس عشر في المجال وعلى رأسهم عزيز أخنوش الذي يهيمن على 30 في المائة من السوق الوطني وهو في نفس الوقت  وزير الفلاحة ورئيس حزب التجمع الوطني لأحرار  وصديق شخصي للملك محمد السادس. لقد أبرزت دراسة قام بها الباحثان أوبنال و زروال حول 344 شركة مغربية أن الذي استفاد من  عمليات الخوصصة و من كل الخيارات النيوليبرالية  خلال الثلاثين سنة المنصرمة  هو الملك أولا ثم 150 أسرة ثرية مقربة بشكل أو بآخر من القصر الملكي منها من له حضور في الحكومة بالإضافة إلى الرأسمال الأجنبي.

هذه السياسات تضرب الفئات ذات الدخل المتواضع  ولكنها تمنح فرصا غير مسبوقة للربح بالنسبة لبعض أفراد الطبقة المتوسطة الناشئة التي ساندت بشكل حاسم سياسة الدولة في خضم الاحتجاجات التي أفرزها الربيع العربي. و على الرغم من الآثار السلبية لسياسات الخوصصة  على عامة السكان، فإن فرص الربح الجديدة تسمح للسلطة بشراء الولاءات التي تعتمد عليها ضمن الطبقة المتوسطة مثل أفراد النقابات و موظفي  الإدارة العمومية. لقد فشلت كل المبادرات النابعة من النخب الوطنية التي ساندت الحراك الشعبي عام 2011 و 2012 بسبب موقف النخب المحلية الرافضة لكل إصلاح يعصف بمصالحها (حوار مع يوسف الركيك، الرباط 20 ماي 2017)..

وحتى وسائل الإعلام في البلاد فإن جلها أصبح منغمسا في هذا المنطق الزبوني والنفعي المحض ، وقد أبرزت الدراسة التي أنجزها الباحث بنشنّة عن ملكية  الأسهم الرئيسية في شركات الإعلام في البلاد أن غالبية المالكين من زبائن النظام الحاكم  أو من  أعضاء البرجوازية المحلية التي استفادت من تحرير الاقتصاد في العشرين سنة الأخيرة ومن بين الأمثلة هناك  “فهد يعتة”، ابن الزعيم الشيوعي والمعارض  الراحل “علي يعتة” ثم “مولاي حفيظ العلمي” وزير التجارة والصناعة الحالي و”عزيز أخنوش” وزير الزراعة الحالي وكل واحد منهم يمتلك أو يساهم في بعض الجرائد أو المجلات واستثمارهم في الميدان الإعلامي له هدف رئيسي هو الدفاع عن مصالحهم التجارية والمالية

(يتبع..)

* مروان مكوارأستاذ مساعد في قسم العلوم الاجتماعية في جامعة يورك بمدينة تورنتو الكندية وهو متخصص في الحركات الاجتماعية والثورات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد حاز على  الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ماكغيل في شهر مايو عام 2013، وأول كتاب له يحمل عنوان :”الاحتجاج والتعبئة الجماهيرية: انهيار الاستبدادية والتغيير السياسي في شمال أفريقيا” وفيه يحلل  الدور الحاسم الذي تقوم به شخصيات النخبة في مجال التعبئة الاجتماعية. له مشروع بحثي جديد يدرس تطور العلاقات الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الشرق الأوسط)، ويركز فيه على  حالتي المغرب وتونس. 

اترك رداََ