دراسة: صناعة النخب في المغرب.. الفساد كخيار استراتيجي للسلطة وأداة من أدوات الحكم (3/2)

0
687

                                                                                                                                      في هذا الجزء الثاني من دراسة الباحث المغربي مروان مكوار، يسلط الضوء على استراتيجية النظام المغربي المتعلقة باحتواء النخب وإرشائها، ومساهمة هذه الاستراتيجية في استمرار الاستقرار السياسي بالمغرب، ويقول مكوار إن أغلب النخب المرتشية استمرأت الوضع وليست مستعدة للاصطدام مع القصر لإجباره على تقديم تنازلات سياسة تصب في مصلحة أغلبية السكان. 

ويعقتد الباحث في بحثه الذي نشر على موقع “جيكا” التابع لمعهد GIGA الألماني  للدراسات العالمية والمجالية، وهو معهد أبحاث مستقل مقره هامبورغ وعضو في جمعية Leibniz، أن القصر يستطيع الاستمرار في تجاهل المطالب السياسية والاجتماعية المماثلة لتلك التي أدت إلى سقوط النظاميْن التونسي والمصري في أوائل عام 2011، على الرغم من الإشارات المقلقة التي تعبر عن السخط الشعبي من جراء استفحال الفساد.. وفيما يلي ترجمة الجزء الثاني من هذا البحث: 

الشرعية المزدوجة

هناك خاصية أخرى تتميز بها استراتيجية الملك محمد السادس لترسيخ شرعيته وهي إنتاج خطاب يبرز الملك بصفته المصدر  الوحيد لكل الإصلاحات والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكل الإنجازات التي تعرفها البلاد عبر حضور إعلامي مكثف يعطي الانطباع أنه الفاعل الوحيد القادرة على تصميم و تنفيذ الإصلاحات وهو الخطاب الذي يلقي باللوم على المسؤوليين الحزبيين المنتخبين وطنيا أو محليا و يحمله المسؤولية عن جميع الإخفاقات التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين.

 على سبيل المثال، استثمر الملك لفائدته مشروع مدونة الأسرة الجديدة التي عوضت قانون الأحوال الشخصية السابق كما جلب لنفسه كل العوائد الإعلامية التي واكبت تنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة التي كان الهدف من ورائها طي صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها والده (رسميا على الأقل)، ومؤخرا حرصَ على أن يظهر  بمظهر بطل  الإصلاح الدستوري الذي يكرس دولة المؤسسات والحقوق والحريات . أما في المجال الاقتصادي و مجال البنيات التحتية فقد أشرف بنفسه على مشاريع الطرق السيارة وميناء طنجة المتوسط الجديد. ومشاريع محاربة دور الصفيح بالإضافة لرعايته للمهرجانات الفنية و المواسم والمناسبات الدينية.

هذه الممارسات التي تسعى إلى ترسيخ الشرعية تعتبر سلاحا ذا حدين: من جهة لابد من الإقرار بأن بعض المجهودات تعالج مشاكل حقيقية في البلاد مثل كهربة العالم القروي بينما واجهتها الأخرى هي محاولتها تأسيس رابطة جديدة بين الملك والشعب بينما هي تسعى في الحقيقة أيضا إلى تقوية النخب المحيطة بالقصر  خلال الخمس عشرة سنة الماضية . قد تبدو بعض المبادرات كخطوة على سبيل تعزيز الحكم الديموقراطي ولكنها ساهمت في الواقع في تبخيس العمل السياسي ومنح السلطة والمناصب المهمة والامتيازات المادية والمعنوية  للبيروقراطيين  وبعض المعارضين السابقين للنظام  وهذا جانب آخر من ظاهرة صناعة النخب الجديدة عبر خلق هيئات و مجالس لا حصر لها مثل “المجلس الوطني لحقوق الإنسان”  و”مجلس الجالية المغربية في الخارج” والمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية  والهيئة المركزية للنزاهة والوقاية من الرشوة  والمجلس الأعلى للتربية والتعليم وكلها مؤسسات يرأسها معارضون سابقون للملكية  قبلوا أن ينخرطوا في لعبة النظام ومؤسساته الرسمية علما أن اختيارهم يهدف أساسا إلى الاستفادة من مصداقية هؤلاء ومحاولة ترويض أمثالهم  من المعارضين السابقين والحاليين عبر الإغراء بالمناصب والأجور المرتفعة أو ترويض زعماء القبائل كما هو الحال مع مجلس الشؤون الصحراوية. لقد أفلحت استراتيجية الترويض والتحييد مع بعض المعارضين الشرسين القدامى مثل الراحل إدريس بنزكري الذي قضى زهرة شبابه في سجون الحسن الثاني فإذا به يصبح سنة 2004 رئيسا لهيئة الإنصاف والمصالحة ، أما اليساري السابق  صلاح الوديع فقد لعب دور الناطق بلسان حزب الأصالة والمعاصرة الذي أنشأه النظام.

دراسة: صناعة النخب في المغرب.. شراء الولاءات ومنح الامتيازات ونشر ثقافة الريع (3/1)

هناك استراتيجية أخرى يستخدمها النظام الملكي من أجل  تحقيق التوازن بين مختلف الأطراف  الإدارية والاقتصادية والعسكرية ضد بعضها البعض من خلال عملية التحكيم بين النخب وهذه الممارسة تؤدي وظيفة مزدوجة: من ناحية، هي تعطي إشارة للمواطنين أن الملك حقاً منشغل بالإصلاح السياسي والاقتصادي ومهتم بمشاغل المواطنين  ومشاكلهم. لقد دأب الملك على توبيخ بعض المسؤولين الإداريين و  المنتخبين لافتقارهم إلى الكفاءة والنجاعة في عملهم كما تتحدث الصحافة من حين لآخر عن  ظاهرة الغضبات الـملكية التي تنزل فوق رؤوس بعض المسؤولين و تطيح بهم.  كما عمد القصر إلى تأسيس عدد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية مثل  مؤسسة محمد الخامس للتضامن، وصندوق الحسن الثاني للتضامن الاقتصادي والاجتماعي وهي مؤسسات تستفيد من المال العمومي ولكن تسييرها لا يخضع للمراقبة البرلمانية  ويسيرها أشخاص من المحيط الملكي أو من القطاع الخاص و إذا كان تمويل  هذه المؤسسات من المال العام فإن منفعتهما  الشعبوية والإعلامية تصب في مصلحة الملك وحده دون غيره و تزيح من المشهد كل الأطراف السياسية والاجتماعية التي قد تنافسه في المخيال الجماعي كمصدر لكل ما هو إيجابي في البلاد.

من ناحية أخرى، وربما هذا هو الأهم ، هناك  الاستخدام الانتقائي لمنظومة العدالة عندما يتعلق الأمر بمعالجة ملفات الفساد  وتضارب المصالح. هذه الممارسة تخلق لدى الناس الوهم عن الإصلاح الديمقراطي والقضائي عبر حملات مكافحة الفساد العشوائية وهي استراتيجية تسمح للنظام بالانتقام بصيغة قانونية من منافسيه حول الشرعية و تسمح له بتعزيز صورته بوصفه الملاذ الوحيد للإصلاح ولمقاومة الفساد في البلاد علما أن المغرب يحتل المرتبة  90 من بين  176 بلدا في التصنيف العالمي للفساد الذي تصدره جمعية ترانسبارنسي الدولية (خلف بلدان إفريقية غير متقدمة جدا  مثل ليبيريا وزامبيا وليسوتو)  وعلما أن الفضائح الكبرى للفساد لا زالت تنفجر من حين لآخر في المستويات العليا من الإدارة و خصوصا من طرف المسؤولين المقربين جدا من القصر . وعن الظاهرة يعلق فؤاد عبد المومني رئيس “جمعية ترانسبارنسي” المغرب قائلا إن الفساد ليس ظاهرة جانبية بل هو  خيار استراتيجي للسلطة و أداة من أدوات الحكم.

سياسة القمع

لقد استطاعت استراتيجية النظام المغربي المتعلقة باحتواء النخب وإرشائها في استمرار الاستقرار السياسي بالمغرب،  ونظرا لعدم رغبة معظم النخب السياسية المحلية في الاصطدام مع القصر من أجل انتزاع تنازلات سياسة تصب في مصلحة أغلبية السكان فإن القصر يستطيع الاستمرار في تجاهل المطالب السياسية والاجتماعية المماثلة لتلك التي أدت إلى سقوط النظاميْن  التونسي والمصري في أوائل عام 2011، على الرغم من الإشارات المقلقةا لتي تعبر عن  السخط الشعبي من جراء استفحال الفساد.

لقد أدت الفوارق الاجتماعية (وهي الأعلى نسبة في كل شمال أفريقيا) وتزايد مظاهر الفساد الإداري و السياسي  وتجاهل ضحايا السياسات النيو ليبرالية وخصوصا من فئة الشباب العاطلين عن العمل إلى ازدياد تمظهرات الاحتجاج السياسي (يسجل المغرب ما يقرب من 50 مظاهرة أو مسير ة احتجاجية كل يوم في عام 2014 وفقا لأحد المراقبين). وعلاوة على ذلك، وبما أن موارد الدولة تُستعمل في المشاريع التي سوف تنتج الربح للملك وأصدقائه والمقربين منه فقد نتج عن تجاهل الدولة للمناطق المهمشة التي كانت تسمّى “المغرب غير النافع” إلى وجود  بؤر التوتر الاجتماعي  في بعض المناطق القروية أو  المدن المنسيّة  مثل حالة الريف (عامي 2017 و 2018 ) و مدينة  جرادة ( 2018) وسيدي إيفني و زاكورة و تنغير والعرائش.

إن استفحال الفجوة بين من يمتلكون كل شيء ومن لا يمتلكون شيئا أمام أعين السلطة سمح للقصر والمقربين منه بتجاهل أغلب المطالب الاجتماعية  رغم إلحاحها ولكنهم  في المقابل فضلوا معاقبة الصحفيين الذين ينبشون في الملفات الساخنة ووضع المزيد من القيود على حرية التعبير و حرية تأسيس  الجمعيات، بالإضافة إلى التضييق على نشطاء حقوق الإنسان والرمي ببعضهم في غياهب السجون.  مع إفساد الحقل السياسي عبر الإتيان  ببعض الفاسدين على رأس الأحزاب السياسية ثم تسخير جهاز القضاء من أجل الانتقام من الأطر الإدارية الذين يفضحون حالات الفساد التي يتورط فيها المقربون من القصر . هذا الملك الذي تقدر ثروته الشخصية بمليارين ونصف من الدولار يستأثر لوحده بميزانية سنوية  تقارب 46 مليون أورو  لتغطية مصاريف القصور الملكية في بلاد يبلغ فيها معدل الناتج الوطني السنوي 2892 دولار للفرد الواحد ( إحصائيات البنك الدولي بالنسبة لسنة  2016 ).       

يتبع..

* مروان مكور، أستاذ مساعد في قسم العلوم الاجتماعية في جامعة يورك بمدينة تورنتو الكندية وهو متخصص في الحركات الاجتماعية والثورات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد حاز على  الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ماكغيل في شهر مايو عام 2013، وأول كتاب له يحمل عنوان :”الاحتجاج والتعبئة الجماهيرية: انهيار الاستبدادية والتغيير السياسي في شمال أفريقيا” وفيه يحلل  الدور الحاسم الذي تقوم به شخصيات النخبة في مجال التعبئة الاجتماعية. له مشروع بحثي جديد يدرس تطور العلاقات الجنسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الشرق الأوسط)، ويركز فيه على  حالتي المغرب وتونس.

اترك رداََ