رزمة من الخطابات الملكية بنكهة نقدية وثورية ودَارُ لُقْمان على حالهــا..فأين الخلل؟

0
638

                                                                                                                                    قرائتي للخطاب الملكي لن تكون باللغة الخشبية المعهودة من قبل مُتَعَهِدي التَطْبيل والتزمير من محللين سياسيين وأشباه السياسين وتجــار الأوهام ،الذين يخرجون بعد كل خطاب لتمجيد و كيل المديح و الثنـــاء على مضامين كل الخُطب الملكية بالرغم أن مَتْنَهـَـا الأعضم يستهدف هؤلاء الآفاقين و المتملقين المسؤولين بشكل أو بآخر عن نوائب المغاربة ومصائبهم..بل (قرائتي)ستكون بلغة الشارع المغربي من طنجة للكويرة،بلغة المغرب العميق الذي لم يعد يقتصر على البراري و الفيافي بل أن، حتى مدن و أقاليم بأكلملهــا انضمت الى ركب هذا المغرب السحيق،المسحوق بفعل فاعل.

قراءتي لن تلامس الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالته أمس بمناسبة الذكرى 19 لاعتلاءه عرش الممملكة،بل ستجمل رزمة  خطابات الجيل الجديد و التي كانت في مجملهـــا ذات نكهة نقدية أو إن شئت ثورية،بالنظر للكم الهائل من المَثَالِب الموجهة الى مفاصل الدولة وطرق تدبير مؤسساتهــا.غير أن السؤال الذي يطرحه العام و الخاص هو ماذا تغير في المغرب بعد هذه الحزمة من خطابات الجيل الجديد؟وهل لمس المواطن المغربي وقع هذه التوجيهات و الانتقادات المباشرة من جلالته الى كل من يعنيه الأمر سواء حكومة أو أحزاب أو رجال سلطة …الجواب البديهي هو لا ثم آلف لا.

إذن أين يكمن الخلل وهل هذا الخلل هو ما عبّر عنه الملك بالقول”أحس أن شيئا ما ينقصنا”.نعم شيء مــا ينقصنــا ،فالتوجيه موجود و الأوامر حاضرة وخارطة الطريق وضعت منذ سنوات وكانت العمود الفقري لكل الخطابات ،غير أن التنفيذ على الأرض يلامس الصفر، والمواطن يحس بذالك في كل ساعة وكل يوم،حتى تسربت الشكوك و الظنون و الهواجس بالبعض الى السؤال “ما الفائدة من هذه الخطابات إذا لم يطبق منهــــا أي شيء ينعكس بشكل مباشر و واضح على عيش و حياة المواطن المغربي البسيط،وهذا الرأي هو الذي عبر عنه الملك في بداية خطابه بالتحذير من دعاة “العدمية والسلبية” لكونه يدرك أن فقدان الأمل يعني بداية نهاية أي كيان سواء كان شخص أو دولة أو تنظيم،وطالب الشعب بالمزيد من الصبر على الظروف مهمــا كانت صعبة لكون هذا الأمر من شيم وتيم المغاربة.

الملك محمد السادس في خطاب أمس و لإدراكه أن الأمور تتجه نحو المنطقة الحمراء،أعطى أولوية بالغة للبرامج الاجتماعية سواء التعليم أو الصحة، كما حاصر المؤسسات العمومية المعنية بأمور الاستثمــار ،باعطاءهــا مهلة شهر لرد على طلب أي مواطن، ،وهذا أسلوب جديد من جلالته حيت انتقل من  النهج  الفضفاض و تناول العموميات الى اعطـــاء سقف زمني لعدد من الاصلاحات، و تحديد الأولويات الملحة و المستعجلة،وفي حال نجح اصلاح”نظام راميد” الذي يمس 10 مليون مواطن و اصلاح قطاع التعليم ،وتوفير فرص الشغل عن طريق دعم المقاولات الصغرى و المتوسطة التي توفر المئات الآلاف من المناصب ،قد تكون الدولة نجحت بالفعل في المصالحة مع هذا الشعب،وقد يشعرالمغربي حينهــا أن أمر ما تغير على أرض الواقع، وهذا مطلب كل مواطن بعيدا عن نظريات المؤامرة و توجيه التهم التي تعمق الاحتقان وتحدث حالة استقطاب في المجتمع  تقسم الوطن الى أخيــــار و أشرار،ولا داعي أن نكتوي بنيران اكتوى بهــا غيرنـــا،ولن أتردد هنــــا في سوق مثال بسيط على ذالك، فالثورة السورية انطلقت من مدينة درعـــا، بسبب كتابة 7 أطفال على حائط أحد المدارس “ارحل يا بشــار” وكان يقود المدينة ابن خالة الرئيس بشار الأسد المسمى “عاطف نجيب” وهو مدير الأمن السياسي أنداك،حيث قام باعتقال الأطفال واستدعـــاء ذويهم و هم في الأغلب من العشائر وبدل من العمل على حل النازلة بشكل بعيد عن المقاربة الأمنية لكون المنطقة كانت مشتعلة في الأصل ،عمل على قطع أصابع الأطفال وسلمهم لذويهم،تحت صدمة الجميع ،وطرد عدد من شيوع العشائر من مكتبه،بعدهــا بيومين انفجرت الأوضاع في هذه المدينة وخرجت مظاهرات أعقبهــا تمرد وثورة مسلحة كانت شرارتهـــا، تهور المسمى عاطف نجيب وبدل أن يتدخل الرئيس لمحاسبته عمل على نقله من درعــا الى مدينة حمص ليتولى منصب أرفع لتتدحرج كرة التلج وتصل الأوضاع في سوريـــا الى تدمير الوطن و المواطن الذي لن تقوم له قائمة ولو بعد عقود…

المفيد من هذه النازلة هو أن المواطن المغربي يريد ربط المسؤولية بالمحاسبة ويرى أولائك الذين أجرمو في حق هذا الوطن يقفون أمام قوس العدالة لينالو جزائهم وليكونو عبرة لغيرهم،وهو الأمر الذي لم يتحقق الى الآن رغم مطالب جلالته الملحة في هذا الباب بتفعيل أول فصل من الدستور ،بيْد أن المواطن يستغرب في بعض الأحيان حين يسمع مدير الماء والكهربـــاء الفاسي الفهري الذي أقيل بعد تقرير عن اختلالات الحسيمة منارة المتوسط ليرجع و يأخد منصب في الهولدينغ الملكي، وكذالك أوزين الذي أقيل من الوزارة ليعود من بوابة البرلمان ومع تداول هذه الأخبـــار الموثوقة يعلق المغربي بالمثل الشهير “أجي تفهم ، تَسطى في هاد البلاد..”

في السابق كان المواطن يشتكي من الأمن و الدرك وظروف الاعتقال واستبداد المنظومة الأمنية بكل تلاوينهــا، غير أن ذالك أصبح من الماضي مع قدوم رجل أسمه عبد اللطيف الحموشي الذي يشهد القاصي و الداني أنه أحدث ثورة في هذا الجهــــاز،وأصبح المغربي محفوظ الكرامة، و الانحرافات فردية وقليلة جداُ و”لي يحصل كَيْوَدِي” كمــا يقال…إذن ما ينقص المغرب هو عدد من الحموشيات على رؤوس عدد من القطاعات المهمة في البلاد و التي لهــا علاقة مباشرة بحياة المواطن البسيط وهنـــا نقصد رجال السلطة من قواد وبشاوات و عمال وولاة وقد نلحظ التغيير في القادم من المواعيد مع التعليمات الملكية الجديدة في مسطرة قبول هؤلاء وكذالك بعد الحركة الانتقالية التي شملت أغلبهم.

التقارير الدولية تتحدث عن الفساد وضرورة محاربته و رئيس الحكومة و الحكومة غير قادرة على ذالك،وهذا أمر واضح بعد أن أصبح العثماني يضرب  المثل في محاربة الفساد باعتقال شرطي ودركي،وهنـــا المواطن يأمل في هيئة أو “لجنة تطهير” خاصة يتم انشــاءهــا من الملك ويكون هو من يرأسهــا لتفتح دفاتر و ملفات من الصعب فتحهـــا إن لم تكن بأوامر مباشرة منه و القضـــاء النزيه سيكفل لهؤلاء حقهم في الدفاع عن أنفسهم كمــا حصل مع الزفزافي ورفاقه، لكن أن تكون الدولة بقبضة من حديد من نشطــاء الريف و بقبضة من حرير مع جهابدة الفساد، فذالك هو ما يدفع المواطن الى فقدان الأمل في غد أفضل، و التفكير إما في قوارب الموت أو اللجوء الى أساليب نضال جديدة مثل المقاطعة التي تم تخوينهــا هي الأخرى وشيطنتهــا من قبل الضلاميين والمفسدين الذي يعيشون هاجس  الخوف من”اليوم الي طلع فيه الشمس..” فهـــل يمر جلالته لسرعة القصوى ويحرك المياه الآسنة، ليضحض نضرية أن السلطة لهــا ميزان بكفتين،كفة فيهـــا خدام الدولة بمختلف مشاربهم و حساسياتهم، وكفة فيهــا الشعب ،و الى اليوم تُرَجِح هذه السلطة كفة خدام الدولة على الشعب وهو السبب المختصر لما آلت إليه الأوضاع في المملكة الى أن “يقضي الله أمر كان مفعولا”.

بقلم :عادل أنكود taboumedia1@gmail.com

اترك رداََ