الهاربون من المغرب والعائدون إليه.

0
196

                                                                                                                               الإقبال المحموم على الفرار من البلد لا يتم فقط عبر قوارب الموت، التي هي قوارب نجاة بالنسبة للبعض، بل يتم بشكل لا يقل مأساوية عبر الهجرة الشرعية لأطر عليا متخصصة في مجالات حيوية، تغادر المغرب سنويا بسبب انسداد الآفاق. وفي الوقت الذي يهتم فيه الناس بالشباب الذي يلقي بنفسه في البحر بسبب اليأس، أو بطالبة شابة قتلها حرس وطنها غدرا من باب احتقار الإنسان والاستهانة به، يغادر بلدنا أشخاص يحملون معارف ثمينة ويتوفرون على خبرات هامة وكفاءات عالية، جعلتهم يحظون باهتمام وقبول الدول الأكثر تقدما، التي توفر لهم كل الشروط المطلوبة للعمل المنتج والعيش الكريم.

وإذا كان “الحراكا” يفرون من البلد بسبب البطالة والفراغ واليأس، فإن الأطر العليا تهرب رغم توفر فرص عملها بالمغرب، بسبب الإهمال والقهر وثقافة العبودية والبيروقراطية والفساد والزبونية وأولوية النسب العائلي على الكفاءة والعلم.

في المقابل أفاجأ بين الفينة والأخرى بعودة بعض الأطر إلى بلدهم المغرب، أشعر بسعادة غامرة وأنا أستمع إليهم وهم يحكون عن تجاربهم، وعن روحهم القتالية التي جعلتهم رغم الغربة والشعور بالغبن، يقررون العودة بعد أن ضمنوا لهم شروط عمل أفضل داخل الوطن، أسألهم لماذا يعودون في الوقت الذي يبحث فيه الجميع عن المغادرة ؟ فيقولون لأن هناك شيئا ما ينقصنا، لا نجده في بلدان المهجر رغم كل الإمكانيات المتاحة، إنه طعم الحياة.. في الوطن الكثير مما يمكن عمله، يكفي أن تعثر على المكان الذي تستحقه، ويشعرك باحترام ذاتك.

لكن العينة التي تبعث على الحيرة، ليست “الحراكا” ولا الأدمغة المهاجرة ولا العائدة، بل هي عينة توجد “بين بين”، إنهم السياسيون من ذوي النفوذ والثروة والجاه والسلطة، والذين تجدهم مقيمين خارج البلد رغم أن لهم مناصب رسمية لتسيير وتدبير الشأن العام بالمغرب، فأصبحنا أمام ظواهر غريبة مثل وزير يقيم بإسبانيا، وبطائرته الخاصة يأتي عندما يحلو له لكي يتفقد إدارته وبعض إقطاعياته، فرغم أن البلد وهبه كل شيء، الثروة والسلطة، إلا أنه لا يستحق أن يقيم فيه، والغريب أن السلطة تتشكى من ضعف الوطنية المغربية عند الشباب، في الوقت الذي يوجد فيه مسئولون لا وطنيون، لأنهم لا يشعرون حتى بالانتماء إلى المغرب.

في النهاية لا أحد يغادر بلده باختياره، وإنما يهرب الناس من ظروف القهر والإهانة عندما لا يشعرون بوجود مكان لهم في الدولة، ويعودون عندما تتوفر لهم فيه أسباب العيش الكريم، باستثناء الذين جمعوا بين الثروة والسلطة، والجنسية الأجنبية، والذين يحتقرون البلد إلى درجة أنهم لا يمنحونه شرف أن يقيموا فيه.

أحمد عصيد

 

اترك رداََ