بين حراك الريف و حِراك السترات الصفراء دُروس وعِبر لنظام في المملكة.

0
145

                                                                                                                                        كم من مسؤول في النظام المغربي ،كان  يُمني النفس أن تُحَرّك الحكومة الفرنسية، جحافل قواتهــا الأمنية وحتى العسكرية لسحق حراك السترات الصفراء،بعد مَوْقِعَة السبت الأسود و الذي وُثقت الأحدات المؤلمة التي تَخَلَلَتْه  بالصوت و الصورة عبر مختلف وسائل الاعلام العالمية ..حرق و تكسير و أعمال شغب لا يمكن قبولهــا حتى من أي مواطن يُكن أكبر العداء لسياسة “الماكرونية” الاقتصادية، التي تُوصَف بنصيرة الأغنيـــاء على حساب الفقراء. لكن خروج رئيس الوزراء ادوارد فيليب هذا الصباح كان صادمــا بكل المعايير وفي نفس الوقت يحمل في طياته الدروس و العبر لكل من  يَحْسب في عقيدته الأمنية و السياسية أن كل حراك شعبي يجب أن يُواجه “بزرواطة المخازنية” لتكسير الجماجم و الأضلع ، لكي لا يقال أن الدولة خَضَعت و انكسرت أمام ارادة الشعب …فرق كبير بين العقلية التي أدير بهــا حراك السترات الصفراء في فرنسا و حراك الريف وجرادة و زاكورة  في المغرب.

ادوارد فيليب ،أعلن تعليق الضريبة على المحروقات لمدة ستة أشهر ،و كذالك اشكالية الفحص التقني لسيارات و عدد من الأمور الأخرى وقال “نحن حكومة هذا الشعب ولا ضريبة في الكون يمكن أن تَضْرب اللحمة الوطنية بين الفرنسيين..”يا سلام، ما أروعهــا من كلمات “لا ضريبة في هذا العالم يمكن أن تضرب اللحمة الوطنية بين الفرنسيين”، رغم وقوع العشرات من الاصابات في صفوف رجال الأمن لكن حرية التعبير تبقى أقدس المقدسات وفق  ادوارد فيليب دائما هذا الصباح. عدد المعتقلين الفرنسيين في خضم أحداث السبت الأسود بلغ بحسب الحكومة 250 موقوف و أصدرت أحد المحاكم الفرنسية عقوبة سجنية بلغت 3 أشهر نافذة على أحد مضرمي النار في مؤسسة حكومية.طبعا الحكم راعى الظروف التي وقعت فيهــا عملية احراق المقر الحكومي ،وإذا عدت للقانون الجنائي الفرنسي لوجدت عقوبة هذه الجريمة تصل الى المؤبد أو عشرين سنة على الأقل، لو وقعت في الظروف العادية، لكن القانون ليس مجرد فصول و بنود فهناك روح وجوهر القانون و السلطة التقديرية للقاضاة التي تساهم أحكامهم في مثل هذه الظروف في التهدئة وليس التصعيد ،و هو ما طالب به الرئيس الفرنسي هذا الصباح أو على الأقل هذا ما تمناه بعد سلسلة التنازلات لإرادة الشعب الذي أوصله للسلطة و هو القادر (الشعب)على اسقاطه كما أُسْقط الملك لويس السادس عشر ،وفق تعبير الغاصبين من السترات الصفراء. الديمقراطية الفرنسية انتصرت و الشعب غضب و الحكومة تفهمت غضبه ،وتراجعت عن رواية  المَدسوسين و المُخَربين و الغوغائيين ،التي حاولت في البداية  الحكومة الفرنسية وسم فئة من السترات الصفراء بهــا، وظهر التعقل و الرزانة الفرنسية المعهودة و العريقة بالإنحـــاء لسخط الشارع.

في مقابل هذا التدبير الفرنسي لحراك السترات الصفراء ،لابد أن نستحضر كيف تعاملت الحكومة و النظام المغربي مع حِرَاكات مختلفة في المملكة ومنهــا حراك الريف ..المئات من المعتقلين و المئات من السنوات السجنية، الآلاف من النشطــاء الفارين خارج البلاد و آخرون غير قادرين على دخول البلاد، مقاربة أمنية أوقعت العشرات من الجرحى، الكيل الرسمي لتهم الانفصال و محاولة الاضرار بالأمن العام لقيادات الحراك بالرغم أن هذا الحراك و لمدة 7 أشهر لم يصدر منه شذرة ، مما صدر عن السترات الصفراء في أعرق الديمقراطيات في العالم يوم السبت المنصرم. 

مقارنة ربما يراهــا الكثيرون مجحفة وغير منطقية بين دولة تتلمس طريقهــا لديموقراطية ،وأخرى تعطي الدروس للعالم في الديمقرطية.لكن و مع ذالك يبقى الأمل أن نصل يومــا الى هذه العقلية في ادارة شؤون البلاد و العباد ،و على من يجلس في مركز القرار أن يدرك أن الشعب فوق الجميـــع و هيبة الوطن من كرامة المواطن فالدولة وفق القانون الدولي “هو كيان إقليمي يمتلك السيادة داخل الحدود وخارجها، ويحتكر قوى وأدوات الإكراه”.غير أن الجهة المستخدمة لهذا الإكراه وفي حال أساءت استعمالهــا أو بَطَشَتْ ،تُسْقط بلا هوادة ،إما في صناديق الاقتراع أو في الشارع إن تعذر ذالك.  انهيــار آليات الوساطة  بين السلطة الفرنسية و حركة السترات الصفراء ليس بجديد  كحالة و واقع ،لكون هذه الحالة وَسَمَت كذالك حراك الريف من قَبْلِها ، بعد أن اعلن النشطــاء حينهــا عدم قبولهم التفاوض مع الأحزاب الكارتونية المُمَخْزَنة و النقابات التي لا تمثل سوى مصالحهــا ،وهو ما زاد في حنق السلطة التي شَخْصَنت الأمور و وجهت كل أدوات الإكراه من أجل الإجهاز على هذا الحراك ،و قِطَاف رؤوسه لكونهــا رأت فيه تحدي غير مسبوق لجَبَرُوتهــا و سُلطانهــا.              فهل تكون معادلة ماكرون و السترات الصفراء درس لسلطة في المملكة المغربية وباقي الدولة التي تتعامل بمنطق الرَعِية بدل المواطن؟أم أن الحُكام العرب يَرُوق لهم  مَنطق التَقْريع و التوبيخ من سَادتهم ،على غرار ما وقع مع بن سلمان على يد ماكرون في قمة العشرين ،أو حتى تفضيل الموت في مجاري الصرف الصحي ( القدافي ليبيا) على الاستجابة لأبنــاء جِلْدَتهم.

بقلم :عادل أنكود taboumedia1@gmail.com

اترك رداََ